روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

307

عرائس البيان في حقائق القرآن

وشهودهم مشاهد جلال ذاته ، وأتاهم وقاية منه ، بحيث جعلهم متصفين بصفاته ، ثم عصمهم بها عن حجب الكدورات ونكايات الخطوات . قال ابن عطاء : الذين تحققوا في طلب الهداية أوصلناهم إلى مقام الهداية ، وزدناهم هدى بالوصول الهادي . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 19 إلى 23 ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ ( 19 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ( 21 ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ( 22 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) قوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ : ليس في القرآن ذكر الذات المجرد عن ذكر الصفات والأفعال إلا ههنا ، واللّه أعلم ؛ فهاهنا خبر عن عين الألوهية التي تقتضي التوحيد المجرد الخالي عن التفرقة في طلب الصفة والفعل ، فدعا حبيبه إلى رؤية عيان الذات بنعت العلم ، وأراد أن يعجزه في رؤية ذاته عن إدراك الكل ، ويذوق طعم الفناء في سطوات عزة ذاته ، لا أنه دعاه إلى أن يعلم كنه عين القدم ، فإنه منزّه عن إدراك الخليقة بل عرّفه نعوت الأولية المنزهة عن الإدراك عن درك المتحيرين فيه ، بأن يدركوه بعجزهم ، فإن العاجز منقطع بعجزه عنه بكل حال ، وأيضا دعاه إلى علم إفراد القدم عن الحدوث بقوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ، فأفاد علمه طرفين من العلم : الأول نفي الأضداد ، والثاني إثبات الذات ، والمقصود منه هذان الحالان من النفي والإثبات ، إلا أنه أعلم كنه الألوهية ، ألا ترى كيف قال : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ ؟ ! وهو نفى الأضداد و إِلَّا اللَّهُ إثبات الألوهية ، وكيف دعاه إلى العلم ببطون الأزل ، وهو مستحيل أن يعلمها الحقيقة بالحقيقة ، وإشارة قوله : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ « 1 » أي : من وجودك في مطالعتي ووجود جلالي ، فإن بقاء وجود

--> ( 1 ) أمر تعالى بالعلم مع أنه هو العالم ، كما أنه هو الشاهد في قوله : يُشْهِدُ اللَّهَ * والرامي في قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إشارة إلى ذنب الوجود المغفور ؛ ولذا قال عقيبه : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ محمد : 19 ] ، وهي نسبة الوجود التي بها أضيف العلم إليه ، فإذا غفر وستر ؛ كان الوجود وما يتبعه للّه تعالى ؛ وإنما أمره بالعلم مع أن هذه الشهادة أول ما صدر منه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في مرتبة العقل الأول ، إشارة إلى الفرق بين مرتبتي الروح والجسد ، فمرتبة الروح لكونها مرتبة التجرّد ؛ لا تحتاج إلى التذكير والأمر بالعلم ، وأمّا مرتبة الجسد -